الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

140

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] . فالدين واحد ، وهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك ، ما دام المصدر واحدا ، وهو اللّه ، والهدف منه واحد ، وهو عبادة اللّه بعمل الصالحات في هذه الدنيا ، هذه الحقيقة الناصعة البسيطة هي ما يقررها الإسلام في هذه الآية التي نحن بصددها وفي غيرها من الآيات ، فوعاها المسلمون كل الوعي ، وجهلها أتباع اليهودية والنصرانية ، ومن هنا يتفوق الإسلام على سائر الأديان ، إذ يعترف بها كلها ، ويلقن المسلمين أحسن ما فيها كلها وهو جوهرها ، عبادة اللّه الواحد الأحد ، والعمل الصالح في الدنيا ، ليتلقى الجزاء الحسن على ذلك في الآخرة . فشل الاستشراق والتبشير بين المسلمين : ومن هنا فشلت كل وسائل الاستشراق والتبشير في تحويل مسلم واحد من الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية ، فالمسيح ، وإبراهيم ، وموسى ، ويعقوب ، وإسحاق ، كل هؤلاء رسل اللّه ، وحملة الوحي الإلهى ، وأيا ما قاموا به من معجزات وخوارق ، فقد فعلوه بإذن اللّه لخدمة اللّه . لا يكمل إيمان اليهودي أو المسيحي إلا بإيمانه بمحمد : وقد وهم أقوام ، فتصوروا أن اليهود والنصارى سواء بسواء والمسلمين ، آمنوا بسيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، أم لم يؤمنوا ، ما داموا يعلمون الصالحات ، ونقول : إن الإيمان بسيدنا محمد هو الشرط الأساسي لكمال الإيمان ؛ لأنه إذا كان من المتصور عقلا للملحدين الذين ينكرون الأديان جملة ؛ لأنهم ينكرون اللّه ، والوحي ، والبعث ، والحياة الأخرى ، فإنه من غير المتصور أن ينكر مؤمن بكل هذا نبوّة سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، والتي لم تخرج رسالته عن هذا الإطار . ب - من غير المنطق الإيمان بالوحي ثم الكفر بمحمد « 1 » : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] ، لا يجب أن يبرح الذهن أن القرآن الكريم قد نزل في المناسبات لمواقف معينة محدودة ، ومع ذلك ، فإن آياته تظل تتحدث إلى أبد الآبدين عن أحداث عامة تتكرر على اختلاف الزمان والمكان ، فهذه الآية على سبيل المثال ، تتحدث عن يهود المدينة على زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهم يزعمون أنهم يؤمنون

--> ( 1 ) نشر في مجلة منبر الإسلام ، عدد رمضان سنة 1400 ه .